ثقافة القهوة في فيينا: المقاهي كجزء من الحياة اليومية

  • تاريخ النشر: منذ 12 ساعة زمن القراءة: 3 دقائق قراءة
مقالات ذات صلة
فيينا: جمال المعمار والمقاهي الإمبراطورية وتجربة الحياة الفاخرة
قهوة بوجه مختلف: ثقافات المقاهي حول العالم
جولة بشارع الحمرا في بيروت: مقاهي وثقافة وحياة لا تنام

تُعد فيينا واحدة من أبرز العواصم الأوروبية التي ارتبط اسمها بثقافة القهوة والمقاهي التاريخية، حتى أصبحت هذه الثقافة جزءًا لا يتجزأ من هوية المدينة ونمط حياتها اليومي. فالمقهى في فيينا ليس مجرد مكان لاحتساء فنجان قهوة، بل مساحة اجتماعية وثقافية تمتد جذورها إلى قرون، حيث يجتمع الأدباء والفنانون والسياسيون، ويتبادل الناس الأحاديث، ويقرؤون الصحف في أجواء هادئة تتسم بالأناقة الكلاسيكية. هذا التقليد العريق منح المقاهي الفيينية مكانة خاصة، وجعلها رمزًا لأسلوب حياة يوازن بين العمل والراحة والتأمل.

جذور تاريخية تعود إلى قرون

تعود بداية انتشار المقاهي في فيينا إلى أواخر القرن السابع عشر، حين بدأت حبوب القهوة تدخل المدينة عبر طرق التجارة العثمانية. ومنذ ذلك الحين، تطورت المقاهي لتصبح مراكز فكرية وثقافية. في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تحولت هذه الأماكن إلى ملتقيات للنخبة المثقفة، حيث كان الأدباء والفلاسفة يجلسون لساعات طويلة يناقشون الأفكار ويكتبون أعمالهم. يُذكر أن أسماء مثل سيغموند فرويد وستيفان تسفايغ ارتبطت بالمقاهي الفيينية التي شكلت بيئة خصبة للإبداع الفكري.

فيديو ذات صلة

This browser does not support the video element.

ومن أبرز هذه المقاهي التاريخية كافيه سنترال الذي افتُتح في القرن التاسع عشر وأصبح مقصدًا للشخصيات الثقافية، وكذلك كافيه زاخر المعروف بتقديم كعكة زاخر الشهيرة. هذه الأماكن لا تزال تحافظ على طابعها الكلاسيكي من حيث الديكورات الخشبية الفاخرة والثريات الكريستالية والطاولات الرخامية، مما يمنح الزائر إحساسًا بأنه عاد بالزمن إلى عصر الإمبراطورية النمساوية.

طقوس القهوة وتنوع المشروبات

ثقافة القهوة في فيينا لا تقتصر على المكان، بل تشمل أيضًا طقوسًا خاصة في التقديم والاختيار. فالقائمة غالبًا ما تضم أنواعًا متعددة من القهوة تحمل أسماء تقليدية، مثل “ميلانج” التي تشبه الكابتشينو، و“إينشبينر” التي تُقدّم مع الكريمة المخفوقة. يتم تقديم القهوة عادة على صينية فضية مع كوب ماء صغير، وهو تقليد يعكس اهتمامًا بالتفاصيل وحرصًا على منح الزبون وقتًا للاسترخاء.

الجلوس في المقهى الفييني ليس مرتبطًا بسرعة الخدمة أو الاستهلاك السريع؛ بل يمكن للزبون أن يمكث لساعات طويلة يقرأ كتابًا أو يعمل على حاسوبه دون أن يُطلب منه المغادرة. هذا الإيقاع الهادئ يميز الحياة اليومية في المدينة، حيث يُنظر إلى المقهى كمكان للتأمل والتواصل الاجتماعي أكثر من كونه محطة عابرة. حتى في العصر الحديث، ومع انتشار سلاسل المقاهي العالمية، ما زالت المقاهي التقليدية تحظى بشعبية واسعة بين السكان المحليين والسياح على حد سواء.

المقاهي كمرآة للحياة اليومية المعاصرة

اليوم، تعكس مقاهي فيينا مزيجًا من التراث والحداثة. فإلى جانب المقاهي الكلاسيكية، ظهرت أماكن جديدة بتصاميم عصرية تجذب الشباب ورواد الأعمال. ومع ذلك، يبقى الجو العام محافظًا على روح الضيافة والهدوء التي تميز المدينة. المقاهي هنا تُستخدم لعقد الاجتماعات غير الرسمية، ولقاءات الأصدقاء، وحتى للمذاكرة والعمل الحر، ما يجعلها جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي.

كما أدرجت منظمة اليونسكو ثقافة المقاهي الفيينية ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، اعترافًا بقيمتها التاريخية والاجتماعية. هذا الاعتراف الدولي يؤكد أن المقاهي ليست مجرد نشاط تجاري، بل تقليد ثقافي يعكس أسلوب حياة كامل.

في النهاية، تظل ثقافة القهوة في فيينا تجربة تتجاوز حدود المذاق، لتصل إلى عمق التاريخ والهوية. فبين جدران المقاهي العتيقة وأصوات فناجين القهوة، يعيش الزائر لحظة هدوء نادرة في عالم سريع الإيقاع، ويكتشف كيف يمكن لفنجان قهوة أن يصبح جسرًا يربط الماضي بالحاضر في قلب مدينة أوروبية عريقة.