رأس السنة الصينية في 17 فبراير: احتفالات عريقة بطابع عالمي
يُعد رأس السنة الصينية، أو ما يُعرف بعيد الربيع، أحد أهم وأكبر الاحتفالات التقليدية في الصين وعدد من دول شرق آسيا، كما أصبح مناسبة عالمية تحظى باهتمام واسع في مدن عديدة حول العالم. وعلى الرغم من أن موعده يتغير سنويًا وفقًا للتقويم القمري الصيني، فإنه يحل عادة بين 21 يناير و20 فبراير، وفي بعض الأعوام يوافق 17 فبراير. ويعكس هذا العيد مزيجًا غنيًا من الموروثات الثقافية والرموز الشعبية والطقوس الاجتماعية التي تمتد جذورها لآلاف السنين، حيث يمثل بداية عام جديد وفقًا للتقويم التقليدي، وبداية فصل الربيع بما يحمله من دلالات التجدد والأمل والازدهار.
جذور تاريخية ورمزية عميقة
يرتبط رأس السنة الصينية بتاريخ طويل يعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، وقد نشأ في الأصل كمناسبة زراعية للاحتفال بانتهاء الشتاء والاستعداد لموسم الزراعة الجديد. وتحيط بالعيد أساطير شعبية، أشهرها أسطورة الوحش “نيان” الذي كان يظهر في نهاية كل عام لإخافة الناس، فكانوا يستخدمون اللون الأحمر والأصوات العالية والألعاب النارية لطرده. ومن هنا جاءت تقاليد تعليق الزينة الحمراء وإطلاق المفرقعات النارية خلال الاحتفالات، باعتبار اللون الأحمر رمزًا للحظ السعيد والازدهار في الثقافة الصينية. كما يعتمد التقويم الصيني على دورة مكونة من 12 عامًا، يرتبط كل عام فيها بحيوان من الأبراج الصينية مثل التنين أو النمر أو الأرنب، ويُعتقد أن صفات هذا الحيوان تنعكس رمزيًا على مواليد العام.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
طقوس عائلية ومظاهر احتفال مبهجة
تبدأ الاستعدادات لرأس السنة الصينية قبل حلول الموعد بأيام، حيث تقوم العائلات بتنظيف المنازل تنظيفًا شاملاً في دلالة على التخلص من الحظ السيئ واستقبال عام جديد مليء بالإيجابية. وفي ليلة رأس السنة، تجتمع الأسر حول مائدة عشاء كبيرة تُعرف بـ “عشاء لمّ الشمل”، وتُقدم أطباق تقليدية تحمل معاني رمزية مثل السمك الذي يرمز إلى الوفرة، والزلابية التي ترمز إلى الثروة. كما يُعد تبادل “المظاريف الحمراء” التي تحتوي على مبالغ مالية من أبرز الطقوس، إذ يُقدمها الكبار للأطفال والشباب كرمز للتمنيات بالسعادة والنجاح. وتزين الشوارع بالأنوار والفوانيس الحمراء، وتُقام عروض التنين والأسد في الساحات العامة، مصحوبة بالموسيقى والرقصات الشعبية التي تجذب السكان والسياح على حد سواء.
احتفال عالمي يتجاوز حدود الصين
لم يعد رأس السنة الصينية مناسبة محلية فحسب، بل أصبح احتفالًا عالميًا في مدن كبرى مثل سنغافورة وكوالالمبور وبانكوك، وكذلك في نيويورك ولندن وسيدني، حيث تقيم الجاليات الصينية مهرجانات ضخمة ومسيرات احتفالية تعكس ثراء التراث الصيني. وتحرص الحكومات في الصين على منح عطلة رسمية تمتد لعدة أيام، فيما يُعد موسم العيد أكبر حركة تنقل سنوية في العالم، إذ يسافر مئات الملايين داخل البلاد للعودة إلى مسقط رأسهم وقضاء العيد مع عائلاتهم. ويعكس هذا الحدث مكانة العائلة في الثقافة الصينية وأهمية الروابط الاجتماعية في تشكيل هوية المجتمع.
وفي ظل التطور الحديث، باتت مظاهر الاحتفال تمزج بين التقاليد العريقة والوسائل العصرية، إذ تُرسل التهاني عبر التطبيقات الرقمية، وتُنظم فعاليات افتراضية تُبث عبر الإنترنت، مع الحفاظ على جوهر المناسبة القائم على لمّ الشمل والتفاؤل بالمستقبل. وهكذا يظل رأس السنة الصينية مناسبة تجمع بين التاريخ والحاضر، وبين الطابع المحلي والانتشار العالمي، في احتفال يعكس عمق الحضارة الصينية وتأثيرها الممتد عبر القارات.