"كوبيكلي تبه": الموقع الغامض الذي يرسم تاريخاً مختلفاً للبشرية

  • تاريخ النشر: الإثنين، 07 ديسمبر 2020
"كوبيكلي تبه": الموقع الغامض الذي يرسم تاريخاً مختلفاً للبشرية
مقالات ذات صلة
أغرب أسباب طرد المسافرين من الطائرات: أحدهم استخدم المرحاض
جمل وحوت وفيل وأبو الهول: هكذا تفننت الطبيعة في نحت صخور السعودية
عرش بلقيس

الكربون المشع يقول إن عمره يرجع إلى أحد عشر ألف سنة قبل الميلاد، يقع في مدينة يُعتقد بأن ثلاثة من أنبياء الله عاشوا فيها يوماً، البعض يؤمن بأنه أقدم منشأة دينية عرفتها البشرية ويهدم الكثير من النظريات بشأن همجية الإنسان الحجري.

في حلقة اليوم من برنامج عجائب الآثار، نصحبكم في جولة إلى "كوبيكلي تبه"، موقع يرسم تاريخاً مختلفاً للبشرية.

شانلي أورفا: أقدس بقاع العالم القديم

شانلي أورفا، مدينة تاريخية مميزة، تقع جنوب شرقي تركيا الحالية، يعتقد سكانها أنها كانت من أقدس البقاع في العالم القديم، حيث مرت عليها العديد من الحضارات التي يرجع عمرها لآلاف السنين.

يؤمن بعض علماء التاريخ، أن إبراهيم عليه السلام وُلد في هذه المدينة وواجه فيها النمرود، وأن أيوب عليه السلام عاش سنوات ابتلائه فيها، بالإضافة إلى نبي الله يعقوب الذي عاش وتزوج وأنجب فيها أبنائه.

اكتشاف موقع "كوبيكلي تبه"

في هذه المدينة الغنية بالتاريخ، اكتُشف لأول مرة موقع "كوبيكلي تبه" فوق سلسلة من المرتفعات عام 1963، نتيجة مسح أجرته جامعتا أسطنبول وشيكاغو، حيث عُثر على لُقى أثرية وألوح كان يعتقد في البداية أنها ترجع للعصر البيزنطي.

ولكن في عام 1994، ونتيجة بدء بحث جديد حول تاريخ المكان، اكتُشفت العديد من النصب الضخمة، التي أظهرت أن تاريخ الموقع أقدم مما يمكن تخيله، حيث يرجع إلى العصر الحجري الوسيط!

عمليات المسح الجيوفيزيائية أظهرت أن الموقع يضم قرابة 200 نصب موزعة على 20 منشأة دائرية، حيث يأخذ كل نصب شكل حرف (T) ويبلغ ارتفاعه من 6 إلى 10 أمتار، فيما قد يصل وزن الواحد منها إلى 50 طناً.

ويُعتقد أن هذه النصب كانت نوعاً من التجريد لشكل الإنسان، حيث الرأس والجسد، خاصة وأن بعضها له يدين رسمت على الجانبين، كما تضمنت نقوشاً لأشكال حيوانية ورموزاً غامضة.

معاني وتأويلات هذه النصب وتلك المنحوتات من الحيوانات والرموز، لا تزال غامضة وغير مفهومة، فنحن لا نعرف حتى الآن إن كانت ذات دلالات عقائدية ودينية؟ أم اجتماعية؟ أم ربما كانت ذات غرض علمي بقصد استخدامها في دراسة الفلك؟ أم أن الأمر برمته مجرد أعمال فنية لا تحمل أي معنى خاص؟

نظريات تهدم همجية الإنسان الحجري

أكثر النظريات شيوعاً حول موقع "كوبيكلي تبه"، هو أنه كان بمثابة موقع عقائدي تمارس فيه شعائر دينية غير معروفة، خاصة وأن التنقيب لم يكشف عن أي آثار للسكن أو الاستيطان ما يدعم فرضية كون الموقع ذو وظيفة دينية، وهو ما يجعله أقدم منشأة دينية في العالم، لكن هذه النظرية تضعنا أمام معضلة كبيرة.

فقد كشف تحليل أُجري بنظائر الكربون المشع على الموقع، أنه يرجع إلى فترة بعيدة للغاية في تاريخ البشرية، تصل إلى قرابة 11 ألف سنة قبل الميلاد! ولكن في هذا التاريخ البعيد، لم تكن البشرية قد عرفت الاستقرار بعد، فلم يعرف الإنسان الزراعة ويبدأ في تدجين الحيوانات إلا بعد هذا التاريخ بقرابة ألفي عام. 

ومن المعروف أن البشرية لم تعرف المنشآت المعمارية إلا بعد استقرارها الزراعي الذي ساعد على ظهور تنظيم لأفراد المجتمع وضوابط تحكمهم وأهداف مشتركة.

لكن موقع "كوبيكلي تبه" يخالف كل هذه الافتراضات، فوجوده في هذا التاريخ المبكر يعني أن الإنسان الذي عاش في العصر الحجري، والذي كان يعتمد على الصيد والالتقاط، عرف قدراً كبيراً من التنظيم والاستقرار، ولم يكن بالهمجية التي يعتقدها البعض.

فبناء الموقع كان يفترض وجود 500 فرد منظمين على الأقل ليقوموا بقطع أحجار النصب التي تزن عشرات الأطنان، ونقلها من محيط الموقع لمسافة تصل إلى نصف كيلو متر، مع القدرة على توفير الغذاء المناسب لهذه الأعداد.

وقبل كل ذلك، يضعنا "كوبيكلي تبه" أمام افتراض بأن الإنسان الحجري، كانت له عقائد قديمة، تسبق هذا التاريخ بسنوات، استطاع تطويرها عبر مئات السنين، حتى وصل إلى مرحلة يؤمن فيها بوجوب بناء معبد لهذه العقائد يمارس فيها شعائر محددة عرفها من أجداده في عصور أقدم!

الاكتشافات المتوالية أظهرت أن موقع "كوبيكلي تبه" فقد مكانته بعد قرابة 3 آلاف عام على إنشائه، حيث بدأت دورة نمط حياة جديدة مع الزراعة والتدجين، وتم استخدام الموقع في أغراض أخرى غير الهدف الأساسي الذي بُني من أجله.

لكن المثير للحيرة، أن الموقع لم يُدفن بفعل عوامل الطبيعة ومرور السنين، وإنما تم ردمه عمدا منذ قرابة 8 آلاف عام قبل الميلاد! فمن ذا الذي يكبد نفسه مشقة ردم مئات الأمتار المكعبة من التراب على موقع حجري كهذا، في هذا التوقيت من عمر البشرية؟! سؤال دون جواب حتى الآن.

أسئلة كثيرة يطرحها موقع "كوبيكلي تبه" الغامض، إلا أن الأمل في العثور على إجابة لها لايزال قائماً، خاصة إذا ما علمنا بأن ما تم الكشف عنه حتى الآن لا يساوي سوى 1.5% من إجمالي. مساحة الموقع ككل.