الصقر في الإمارات: رمز الوطن وطائره المدلل

يوجد في الإمارات مستشفى لعلاج الصقور وهي أول دولة تصدر جواز سفر للصقور وتسمح لها بالتواجد على متن الطائرة برفقة أصحابها

  • تاريخ النشر: الأحد، 25 أبريل 2021
الصقر في الإمارات: رمز الوطن وطائره المدلل
مقالات ذات صلة
الخنجر العماني الرمز الوطني لسلطنة عمان
صقر يحلق فوق مدينة دبي
للإمارات: تحذير من هذا السائح سيء السمعة

للصقر في حياة الإماراتيين مكانة خاصة، فهو شعار دولتهم، ورمز لهويتهم، وأحد أسباب استقرار أجدادهم على أرض صحراوية قاسية للغاية، حيث كان البدو قديماً يستخدمون الصقور في صيد اللحوم، بما يساعدهم على الاستمرار في الحياة الصعبة.

واعترافاً بالجميل، تتلقى الصقور في دولة الإمارات العربية المتحدة، معاملة خاصة للغاية من خلال أكثر من مبادرة ومشروع أبرزها: "برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور" الذي يهدف إلى إطلاق سراح الصقور البرية وإعادتها للطبيعة حماية لها من الانقراض، ومستشفى أبو ظبي للصقور، وهو أكبر مستشفى لعلاج الصقور في العالم، كما يُسمح للصقر في الإمارات باستخراج جواز سفر والركوب بجوار صاحبه على متن الطائرة. فما حكاية الصقر والصقارة في الإمارات؟

الصقارة في الإمارات

"الصقارة" مصطلح يعني تربية الصقور والصيد بها، وهي تمثل رمزاً وطنياً وتقليداً تاريخياً في دولة الإمارات والخليج العربي، كما أنها من هوايات الثقافة العربية العريقة.

ولتاريخ طويل يصل إلى 4000 سنة، مارس أهل شبه الجزيرة العربية رياضة "الصقارة" حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من تراثهم الشعبي، ورغم ما شهده العالم من تغيرات وتطورات، إلا أن أهل الإمارات لا يزالون متمسكون بهذا التراث الذي توارثوه عن الآباء والأجداد.

وفي البداية كان الصقر رفيقاً عزيزاً للعربي، ومعيناً له على الحياة في حياة صحراوية مقفرة، حيث كان يجلب له الطعام بعد تدريبه على صيد وجلب الفرائس.

وبعدما وجد الإنسان وسائل أخرى لتوفير الطعام، استمرت علاقة الإماراتيين بالصقور لتتحول "الصقارة" إلى رياضتهم المفضلة.

والصقر طائر جارح من فصيلة الصقريات، ويتميز بقدرته الاستثنائية على الرؤية وكذلك سرعته الكبيرة التي تصل إلى 320 كيلومتر في الساعة ما يجعله من أسرع الكائنات على وجه الأرض.

ويرتبط الصقر في أذهان الإماراتيين بالعديد من القيم النبيلة والصفات الأصيلة مثل: الشجاعة والفخر والتواضع والقوة والإباء.

شعار دولة الإمارات

وليس من المستغرب أن تتخذ دولة الإمارات من صورة الصقر شعاراً لها، نظراً لأهميته الخاصة في قلوب أبنائها، ففي عام 1971 -عام تأسيس دولة الإمارات- اعتمد المجلس الأعلى للاتحاد الإماراتي شعاراً للدولة، وكان عبارة عن صقر في صدره قرص أحمر يُظهر سفينة البوم الشراعية العربية على مياه الخليج طافية على أربع موجات، وتمسك مخالبه بقاعدة على شكل مستطيل تحمل اسم دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتم اختيار هذا الشعار من بين مئات الرسوم المقدمة ضمن مسابقة شارك فيها عدد كبير من الإماراتيين والوافدين إلى الدولة، والشعار الفائز كان لفتاة إماراتية تُدعى ظبية خميس من أبو ظبي.

وفي عام 2008، أقر مجلس الوزراء مجموعة من التعديلات على شعار الدولة، أبرزها: تعديل وسط الشعار بحيث يضم القرص على صدر الصقر علم دولة الإمارات يزينه طوق عليه 7 نجوم تمثل الإمارات السبع، وذلك بدلاً من السفينة في الشعار القديم.

كما تم تغيير بعض الخطوط المكونة لجناحي الصقر، ورسم منقار وعين الصقر بحيث يصبحا أكثر بروزاً، وتلوين الصقر الجديد باللون الذهبي بدلاً من الأصفر، وأضيف اسم الدولة باللغة الانجليزية أسفل الشعار.

برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور

في عام 1955، أطلق الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أول رئيس لدولة الإمارات العربية، برنامج إطلاق الصقور، الذي تتمحور فكرته حول إطلاق سراح الصقور البرية وإعادتها إلى الطبيعة بهدف الحفاظ عليها من الانقراض.

وبإطلاق الصقور في موائلها المعتادة، يكون أمامها فرصة للتكاثر وزيادة أعدادها وتعزيز مجموعاتها البرية، ما يساعد بدوره على استدامة ثقافة وتراث الصقارة المتوارث في الدولة منذ آلاف السنين.

وإلى جانب زيادة أعداد الصقور في الطبيعة، يساهم البرنامج أيضاً في دعم البحوث العلمية حول الصقور، خاصة أنواع الحر والشاهين - من الأنواع الرئيسية التي يستخدمها الصقارة العرب- من خلال توفير أكبر قدر من البيانات لمساعدة العلماء في الحصول على المعلومات المتعلقة بالصقور مثل: مسارات الطيران والهجرة، معدلات البقاء على قيد الحياة ومدى ملائمة المنطقة لحياة الصقور.

ويتم الحصول على هذه المعلومات من خلال تزويد بعض الصقور التي يتم إطلاقها بأجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية، تعمل ببطاريات يتم شحنها بالطاقة الشمسية.

ومنذ إطلاق "برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور"، تركزت معظم عمليات الإطلاق في دول أواسط آسيا مثل: باكستان، إيران، قيرقستان وكازاخستان.

وتم اختيار هذه البيئات بناءً على عدة اعتبارات بينها: توفر المياه والفرائس ومسارات الهجرة، فعلى سبيل المثال اتضح أن كازاخستان توفر البيئة الأمثل لبقاء الصقر، وتُعد موقعاً مثالياً لما تتمتع به من تضاريس طبيعية متنوعة ومناطق جبلية وبرار سهلية شاسعة تقع ضمن نطاق هجرة الصقور وتوفر لها البيئة الملائمة لاصطياد الطرائد والتكاثر.

كما أن منطقة جلجيت في شمال باكستان، تُعد أحد مسارات هجرة صقور الشاهين المتجهة نحو الشمال خلال فصل الربيع، كما أنها أحد مناطق التزاوج المحتملة للصقور.

كذلك الأمر بالنسبة لمحافظة جورجان الإيرانية، حيث أشارات الدراسات إلى أن الشواطئ الشرقية الإيرانية على بحر قزوين تمثل إحدى مسارات هجرة الصقور التي تتكاثر في سيبيريا، كما يُعد هذا الموقع مناسباً لصقور الحر؛ لتوفر السهول الزراعية المستوية والفرائس التي تتغذى عليها، حيث يوجد عدد كبير من الطيور المقيمة والمهاجرة شمالاً على مقربة من السلاسل الجلبية التي توجد بها صقور الحر.

وعلى مدار 26 عاماً، أطلق برنامج الشيخ زايد، ما يجاوز 2000 صقر إلى بيئاتهم الطبيعية، معظمهم من أنواع الحر والشاهين، المعرضين لخطر الانقراض.

إطلاق 86 صقراً في سماء كازاخستان

وهذا العام 2021، أطلق برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور، 86 صقراً في سماء كازاخستان، من بينها 51 صقر شاهين و 35 صقر حر.

وفي هذه الدورة، تم تزويد 11 صقراً بأجهزة تتبع متصلة بالأقمار الصناعية تعمل بالطاقة الشمسية؛ لرصد معدلات البقاء والانتشار ومسارات الهجرة، وجمع البيانات العلمية التي تساعد المختصين في دراساتهم للصقور المطلقة بالإضافة إلى تطوير التقنيات التي يستخدمها البرنامج في إعادة التأهيل والتدريب والإطلاق.

ويواصل هذا البرنامج مهمته دون انقطاع، تحت إشراف هيئة البيئة في أبو ظبي، بالاشتراك مع الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى ومستشفى أبو ظبي للصقور.

وبشكل سنوي، يشجع برنامج الشيخ زايد جميع الصقارين والمهتمين بالحياة البرية على المشاركة بالصقور البرية من نوعي الحر والشاهين، ويحثهم على تسليمها إلى مستشفى أبو ظبي للصقور بعد انتهاء موسم الصيد أو في أي وقت من السنة؛ لفحصها وتأهيلها وإطلاقها وفق النظم والبروتوكولات العلمية المتبعة لتعزيز الحياة البرية والحفاظ على الصقور في مواطنها الطبيعية.

مستشفى أبو ظبي للصقور

وإمعاناً في الاهتمام بالصقور، أنشأت هيئة البيئة- أبو ظبي، مستشفى أبو ظبي للصقور، وهو أول منشأة عامة في الإمارات العربية المتحدة تقدم خدمات الرعاية الصحية والبيطرية الشاملة للصقور، وجرى افتتاح المستشفى في أكتوبر عام 1999 كمنشأة تابعة لهيئة البيئة في أبو ظبي، لتصبح اليوم أكبر مستشفى للصقور في العالم.

ويستقبل المستشفى سنوياً 11 ألف صقر لفحصهم وعلاجهم، وتحصل تلك الطيور على فحوص اعتيادية وتقليم مخالب، فضلاً عن إجراء عمليات جراحية معقدة عند الحاجة.

ونظراً لأن فرص إطلاق الصقور للصيد في الإمارات محدودة للغاية، حيث لا يُسمح بالصيد إلا في محميات معينة، فإن هذا المستشفى الواقع بالقرب من العاصمة أبو ظبي، يُعد محطة رئيسية للكثير من الصقور قبل السفر إلى وجهات الصيد المعروفة مثل: باكستان وكازاخستان وإيران.

ويبرز هذا المستشفى كواحد من أفضل مستشفيات الصقور سمعة في منطقة الخليج ومركز رائد في طب الصقور على المستوى الدولي.

وفي السنوات الأخيرة توسع المستشفى من مجرد مرفق بيطري إلى مؤسسة تقدم خدماتها في مجالات التعليم والتوعية والتدريب والبحوث، كما أصبح يقدم خدماته لمختلف أنواع الطيور والدواجن بخلاف الصقور، وافتتح مركزاً متكاملاً لرعاية الحيوانات الأليفة كذلك، متضمناً عنابر فاخرة لإقامة الكلاب والقطط إضافة إلى مرافق تزيين الحيوانات الأليفة وتدريب الكلاب، حتى صار واحد من عناصر الجذب السياحي في إمارة أبو ظبي.

جواز سفر للصقور

ولأجل السفر لا بد من إصدار جواز سفر، وبالفعل تفردت الإمارات العربية المتحدة بإصدار اول جواز سفر للصقور في العالم، والذي يُمنح بموجبه الصقر حرية الحركة والتنقل مع مالكه أو من ينوب عنه رسمياً، إلى مختلف دول العالم للاستخدام الشخصي وليس للأغراض التجارية، وذلك دون الحاجة للحصول على إذن دخول أو خروج أو مرور وفقاً لاتفاقية الإتجار الدولي بالحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض "السايتس".

وتسمح شركات الطيران الرئيسية في الإمارات للصقور إما بالتواجد في مقصورة الركاب أو كأمتعة مسجلة، أو الجلوس بجانب أصحابها في حالة السفر لوجهات معينة.

اليونسكو تعترف بتراث الصقارة

في 16 نوفمبر 2010، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، الصقارة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادئ للإنسانية، باعتبارها تقليداً اجتماعياً يحترم الطبيعة والبيئة ويتم توارثه من جيل إلى جيل بطريقة تجسد روح الانتماء والاستمرار والهوية الوطنية.

ومنذ عام 2013، يتم الاحتفال باليوم العالمي للصقارة في يوم 16 نوفمبر من كل عام.

وهناك قصة واقعية تؤكد احترام رياضة الصقارة للطبيعة والبيئة يرويها الشيخ زايد آل نهيان في كتابه "رياضه الصيد بالصقور" فيقول فيه إنه تعلم رياضة الصيد بالبندقية وهو في الـ12 من عمره، وحينما بلغ الـ16 عاماً كان قد تعلم الصيد بالصقور، فشرع يزاول الصيد بالاثنين معاً، ويضيف: "وحينما بلغت من العمر الـ25 عاماً، كنت قد تعلمت أصول الصيد وفنونه، في هذا الوقت فضلت الصيد بالصقر على ما عداه، وأقلعت عن استخدام البندقية في صيد الحيوان، وكان لهذا التحول سبب في نفسي، فذات يوم ذهبت لرحلة صيد في البراري وكانت الطرائد قطيعاً وافراً من الظباء يملأ المكان من كل ناحية، فجعلت أطارد الظباء وأرميها، وبعد ثلاث ساعات قمت أعد ما رميته من الظباء فوجدتها 14 ظبياً، عندئذ فكرت في الأمر طويلاً وأحسست أن الصيد بالبندقية إنما هو حملة على الحيوان وسبب سريع يؤدي إلى انقراضه، فعدلت عن هذا الأمر واكتفيت بالصيد بالصقور.

ومنذ ذلك الوقت، عمل الشيخ زايد على تطبيق مفهوم الاستدامة والحفاظ على البيئة عبر أكثر من مبادرة أطلقها، أبرزها برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور.

وبشكل عام، يفرق العربي بين الصيد والقتل، لذا تراه يعطي فريسته فرصة للقتال والنزال، ولا يجيز قتل الحيوانات التي تلجأ للصيادين من شدة الجوع والعطش، وغالباً يتهادى الصيادون لحم الفريسة ويعطون للصقر نصيبه، كما يكتفون بسد جوعهم أو حاجتهم ولا يتخذون من الصيد وسيلة للإثراء.